الرجل والرجولة
لاشك أن الناس تختلف حول مفهوم الرجل ومعنى الرجولة ، وهذا الاختلاف طبعا مرده الى تفسير ذلك انطلاقا من زاوية معرفته وادراكه الذي يدخل فيه خبرته واجتهاده الى غير ذلك من الأمور التي يستعين بها الفرد .
والرجل كلمة تطلق على ذلك الكائن الذي يختلف عن الأنثى من حيث مجموعة من الخصائص :
أولها : المميزات المادية الملموسة والظاهرة للعيان وهي الاختلاف الجسدي الذي يميزه عن الأنثى .
ثانيها : المميزات المعنوية التي تتمثل في مشاعره وسلوكاته التي تتجلى بوضوح من خلال تصرفاته .
وكما هو معروف فالطفل عموما عند البلوغ يتخد جسده كل صفات القوة التي تظهر واضحة على عضلاته حتى تضفي عليه الخشونة في تصرفاته ، ويستعملها في القوة ، كما تزوده البيئة بالمشاعر التي يكتسبها خلال حياته ، وكل هذا طبعا حتى يتسنى له القيام بدوره على الوجه المطلوب .
وبذلك يكون الرجل متميزا عن الأنثى سواء من خلال القوة الجسدية أو القوة النفسية التي ستعينه على تحمل المصاعب والتصدي للشدائد ، دون انتكاس أو تأثير كبير عليه كما يحدث عموما مع المرأة ذات المشاعر الرقيقة والتي تستعين بالصراخ والعويل والبكاء كمظهر واضح لعدم قدرتها النفسية على التحمل .
والرجل طبعا يختلف عن الذكر لأن الأول جمع الصفات البدنية الى جانب الصفات المعنوية بينما الثاني يفتقد الى المميزات المعنوية ولا يختلف عن الأنثى الا في الجانب الجسدي فقط بينما تكون له تقريبا نفس مشاعرها كالاحاسيس المرهفة وسرعة التأثر وعدم القدرة على التحمل النفسي، وبهذا لم يرتقي الى مستوى الرجل .
وقد اعتاد الناس على الحكم على الرجل من خلال المظاهر فقط فمن رأوه بشارب كبير وقوة بدنية شديدة وقامة طويلة الا وقالوا هذا هو الرجل بعينه ، لكن ينسون أو يتناسون الجانب المعنوي لهذا الشخص الذي لقبوه بالرجل فقد تظهر الشدائد حقيقته النفسية فان كان فيها قويا ومقداما فهو أهلا للوصف الذي نعته به الناس أما ان حدث العكس وكان من أشد المتأثرين بالشدة فهو يعتبر ذكرا فقط ولن تشفع له قامته أو قوته البدنية في شيء مادامت حالته النفسية يعتريها الضعف ، وتعتبر الشدائد عموما هي المعيار الحقيقي الذي يحكم به على حقيقة الشخص وتصنيفه الى جانب الرجال أو أنه ليس برجل وبالتالي فهو ذكر لا غير . أما المظاهر الجسدية فيه خادعة ولا يعتد بها فأنت قد تجد شخصا هزيلا من حيث بنيته الجسدية وتزدريه الأعين من أول نظرة له ، ولكن ان حدثت الشدائد فتجد فيه من الشجاعة والقوة النفسية والتحمل والجلد ما يجعله يذهل الناس ، وهنا يعرف على حقيقته ويعود اليه الاعتبار أما حالته الجسدية التي كانت تتسبب له في الاحتقار وقت الرخاء فقد تلاشت وغطت عليها القوة النفسية التي أبداها اتجاه المواقف العصيبة ، وهنا يحتفظ هذا بالتقدير والاعتبار وسط كل الذين عايشوه في الشدة وعرفوا حقيقته . بالمقابل يحدث العكس للشخص الذي كان الناس يرونه رجلا بسبب قوته البدنية وقت الظروف الهادئة ، حيث يفقد الاحترام الذي كان الناس يكنونه له ولم يعد شيئا معتبرا لديهم ، بسبب الفارق الكبير بين قوته البدنية والجسدية .
وتعتبر الظروف الاعتيادية هي الأمثل لأصحاب القوة الجسدية ، الذين يحاولون الحصول على الاعتبار بين الناس من خلال بنيتهم الذي تمنحهم نوعا من الغرور والتعالي على الأخرين ، كما يتمنون من قرارة أنفسهم استمرار هذه الظروف حتى لا يفقدون احترامهم لأنفسهم لأنهم غير قادرين على الشدائد التي تبرز حقيقة جوهرهم النفسي ، ويحاولون قدر المستطاع الهروب من الشدة التي سوف تعريهم أمام الأخرين ، وتجعلهم في الهامش وبالتالي يتخلون عن الغرور الذي كان ينتابهم وتجدهم أكثر تواضعا من غيرهم بعدما انكشفوا على حقيقتهم ولم يعد لهم شيئا يتكبرون من أجله كما تقل اندفاعاتهم وتهوراتهم التي كانوا يستفزون بها غيرهم كنوع من استعراض القوة وقت الرخاء لكن جاءت الشدة التي أرغمتهم على النزول الى مستوى لا يرغبون فيه الا وهم مكرهين، ، كما أن الشدائد التي يتهربون منها سوف تقع لهم حتما مهما حاولوا تجنبها أو تحاشيها لكون الزمان كاشف لطبائع الناس رضوا أم كرهوا وهذا من سنة الحياة ، أما من كان منهم له من القوة النفسية مايجاري القوة الجسدية التي يتمتع بها فهو سيحتفظ بالتقدير الذي يكنه له الناس ، ولا يفقد احترامه الذي عرف به ، وهو يمثل النموذج الأمثل بين الأخرين بعدما استطاع أن يوفق بين قوته الجسدية والنفسية ، وهذا هو التوازن المطلوب الذي يجعل منه قمة في قوة الشخصية.
من هنا تعتبر المظاهر الجسدية خادعة لأصحابها - طبعا ان لم تكن لهم قوة نفسية توازيها - وتظهر هنا سطحية المظاهر التي لايصمد بريقها أمام الشدائد التي تمثل المعيار الذي يعتد به في تصنيف الرجال ومعرفتهم على حقيقتهم ، لماذا ؟
لأنه في الظروف العادية يظهر الرجال على غير حقيقتهم ، حيث الهدوء يجعل الشخص أكثر تحكما في نفسيته وتطويعها كما يشاء ، وهنا يعمل على تكييفها وفقا لهواه ، حتى يبقى متماسكا أمام الأخرين ويلجأ معها الى تضليل الأخرين وتمويههم بأنه قوي لا يشق له غبار.وهنا طبعا ليست هناك وسيلة لتجريب أقواله وتحويلها الى أفعال لأن الأمر يتطلب حصول موقف شديد يمحص أقوال الشخص ، وبما أن الأمر غير ممكن ان لم يحصل هذا الموقف من تلقاء نفسه فان الناس تسايره على أقواله وتعتبر مايقوله صحيحا مادام يبدوا قويا من خلال بنيته الجسدية مع الاشارة الى أن الناس عموما يجعلون القوة النفسية مرافقة للجسدية وهم متلازمتين فمن كان قويا بدنيا فنفسيته كذلك والعكس صحيح وهذا خطأ يقع فيه العوام ويكون مستحسنا لدى الأقوياء – بدنيا طبعا- مادام يعطيهم الاعتبار بين الناس ، لكن وقوع الشدة تجعل الشخص غير قادر على لجم انفلاتاته النفسية التي لم يبقى له عليها أي سلطان بعدما انتزعتها الشدة من تحت تصرفه وتركته وهو مختل التوازن ، ولم يعد يدري مايفعله بعدما كان الهدوء في السابق قد جعل له نفسيته تحت تصرفه يقودها كما شاء، وهنا يقع الشخص في الحرج أمام الأخرين حيث عمل مابوسعه لدرء تصرفاته في الشدة حتى لايدركها الناس لكن ذلك لم يستطيع له دفعا .وهنا يدخل هذا الشخص الذي كان يدعي أنه رجلا مرحلة يسحب فيها البساط من تحت قدميه ، ويفقد قيمته المعنوية واحترامه وسط الناس ولا يعد أحد يكترث له أو يسمع كلامه ، بعدما كان ينصت له الجميع في السابق ان هو تكلم وتنفد الناس مايأمرهم به، وهو طبعا يتأثر نفسيا بما حدث له ولا مجال عنده للتبرير الذي لن لن يقبله منه أحد ، ويبقى على هذه الحال الى أن يستطيع اثبات ذاته في شدة أخرى التي يبقى في انتظارها على أحر من الجمر ، حتى يثأر لذاته ويعيد الاعتبار لنفسه ، ان استطاع لذلك سبيلا ، والا بقي على حاله دون تغيير .
نرى في حياتنا اليومية أن الناس على الخصوص في الظروف العادية تعلي من شأن كل الذكور على اعتبار أنهم هم الرجال ، القادرين على المجابهة والتحمل النفسي لكن ذلك يسري على الأقوى منهم جسديا وتتضاءل تدريجيا مع تضاءل القوة حتى تصل للأضعف بدنيا الذي يراه الناس غير قادر على شيء أو بمعنى أصح ليس برجل ، لكن هذا التصنيف البدني الظاهر للعيان يكون تبعا لهذه الظروف الهادئة بحكم أن الناس لا تعير اهتماما الا للصفات التي تظهر أمامها وتتغاضى عن الجوهر الداخلي وهو الأهم طبعا والمتمثل في الجانب النفسي ،وكل هذا يجعل من يتميز بالقوة الجسدية بغض النظر عن الجانب النفسي يحظى بالحظوة بين الناس ، أما من كان ينتابه الهزال والضعف البدني فهو لا يعيرونه اهتماما ، الى أن تتحول الظروف الهادئة الى العصيبة ويظهر هنا كل واحد على حقيقته فتقلب معها المعايير من جديد ، ويصبح القوي نفسيا هو السيد مادام قد استطاع اثبات وجوده ، بينما يتلاشى هنا المعيار البدني الذي كان هو السائد لمدة طويلة الى أن أزاحته الشدة عن واجهة الأحداث لتبين بدورها أقويائها الذين يجب أخدهم في عين الاعتبار.
وعليه فالمظاهر هي الطاغية ومعيار التفاضل بين الناس وقت الهدوء حيث يكون الجانب النفسي متخفيا بينما يسود هذا الأخير في الشدائد ويعلي من قيمة أصحابه الذين همشتهم الظروف الاعتيادية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق