الحظ
دأب الناس على وصف بعض الأشخاص بأنهم محظوظين في الوقت الذي ينعتون أخرين بكونهم ليس لهم حظ ، هذه الكلمة التي لها مرادفات أخرى مثل السعد ، الزهر الى غير ذلك ، تطلق على كل من تيسرت له السبل وحصل له مراده أو بلغ غايته دون عناء يذكر، ولكن هل حقا يوجد أشخاص محظوظين وأخرين غير ذلك ، وهل الخالق سبحانه وتعالى وهو أعدل العادلين قد جعل بعض الناس محظوظين وأخرين عكس ذلك .
لو رجعنا الى البحث عن جذور للكلمة لوجدناها دخيلة على المسلمين ، فالناس طبعا يختلفون فيما بينهم من حيث الرزق والعقل والأوصاف البدنية والنفسية وغيرهما ، لكن هناك أشياء يشتركون فيها مجتمعين وهي وجوب القيام بالسبب( الذي يختلف تبعا لعقول الناس وظروفهم وطرقهم في بذل الأسباب) للحصول على الرزق ، وبالتالي تختلف هنا الطرق المتبعة من طرف الناس في سعيهم نحو أرزاقهم ، لذلك تختلف سرعة الحصول على الرزق تبعا لليسر أو العسر الذي نهجه الشخص للظفر بنصيبه ، فالبعض يتبع الطرق الملتوية القصيرة مراعاة لعامل الوقت في محاولة لتحقيق السبق سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه ، فيما يتبع أخرون طرقا طويلة وشاقة يتمرغون فيها كثيرا حيث لايظفروا بنصيبهم الا بشق الأنفس ومنهم يبطء عنه نصيبه حتى يذهب به الأمر الى حد التشكيك في وجود رزقه ، لذلك يلقب الناس المحظوظ كل شخص حصل على رزقه بسرعة قياسية ، وحتى الذي كان سباقا دون غيره في الظفر بنصيبه لو لم يتبع تلك الطرق الملتوية لما كان (محظوظا )، ولو قدر لشخص أخر أن ينهج طريق هذا الشخص الذي يراه الناس محظوظا لكن بنفس الطريقة ونفس السرعة في نفس الوقت طبعا التي استعملها المحظوظ لحصلت له نفس النتيجة وبالتالي يكون الامر متعلقا بالطريقة المتبعة فقط ، وهنا يظهر أنه لا معنى لما يقول الناس بأنه الحظ هو السبب في كل مايقع ، وأنه السبب في أن يأتيك النصيب سريعا أو يتأخر عنك ، كما أن الله لم يعجل لمخلوق رزقه ويؤخره عن أخر وانما كان العدل سائدا في سرعة الحصول عليها لكن الأسباب التي ينهجها الناس هي التي تجعلهم يختلفون في الأوقات التي يظفرون فيها بأرزاقهم كما أنها هي التي تسرع لبعضهم الظفر بها فيما تؤخره عن البعض الأخر .
والخالق سبحانه حدد لكل مخلوق رزقه بالوقت المحدد وهو يعلم قبل خلق الناس الطريق الذي سيسلكه كل واحد منهم لذلك كان وقت الحصول على النصيب في علم الغيب متناسب مع لحظة نيله من طرف صاحبه ،
فأين هو الحظ الذي يتحدث عنه الناس، الذين يصدرون أحكاما جاهزة على كل شيء ، فالنتائج ترتبط دائما بالأسباب ، وحتى سرعة تحقيق الشيء أو البطئ فيه له أسبابه التي تعود بالدرجة الأولى للسلوكات التي ينهجها الناس في سعيهم نحو تحقيق ما يصبون اليه ، ولا مجال هنا للحظ أو الصدف أو غيرها فالأسباب تجلب النتائج التي تكون من صنفها ، وذلك طبعا بعد قدر الله تعالى الذي تكون خلفه حكم لايدركها الناس الذين يعتبرون متعجلين في الأشياء ، وليس لهم صبر على مايخالف هواهم ، كما أن عدم اعتراف الناس أو محاولة تجاهلهم عن قصد للأسباب التي يقوم بها هؤلاء الذين يلقبونهم بالمحظوظين ، تجعلهم يعتقدون أن الحظ كان الى جانبهم، لكن الا يمكن التساؤل هل المحظوظين قاعدين ويهبط عليهم من السماء كل مايتمنونه دون أن يحركوا ساكنا أو يبذلوا الأسباب الموجبة للنتائج التي حصلوا عليها، فحتى الأنبياء والرسل وهم خير الناس لم يكونوا يحصلوا على نتيجة الا بسبب طبعا فما بالك بغيرهم من الناس .
يقال أن العجلة لا تزيد في الرزق كما أن البطيء لاينقص منه شيئا ، وتحليلنا لهذه العبارة يدل على أن العجلة والبطيء وهما سببين طبعا في تحصيل الرزق يتساويان وبالتالي لامعنى لهما في تغيير النتيجة التي ستحصل في النهاية مع أن هاذين السببين يقفان على طرفي نقيض ، فكيف تكون النتيجة واحدة والسبب مختلفا ، مع العلم أن النتائج ترتبط ارتباطا وثيقا بالأسباب فلماذا اذن سيعطينا البطيء في السعي نفس نتيجة العجلة .
لو افترضنا أن الأمر مرتبط بشخصين أحدهما على سبيل المثال يستيقظ مبكرا يقضي اليوم بطوله في العمل ويعود متأخرا الى بيته ، يمكن اعتباره ينهج أسلوب العجلة في تحصيل رزقه ، وشخص أخر في نفس مهمة السابق يستيقظ متأخرا يغادر العمل متى شاء نعتبر أنه بطيء في تحصيل الرزق ، النتيجة طبعا ستكون منطقية فكل واحد منهما سيجني من المال قدر المجهود الذي بذله هنا ، فالأول مثلا سيبقى يجني أكثر مادام سائرا على نفس المنوال أما ان تغير أسلوبه بحيث أصبح يتأخر مثلا عن العمل فحتما ستتغير النتيجة ويقل مدخوله ، لذلك نلاحظ هنا تغير النتيجة تبعا لتغير السبب ، لذلك فالأمر هنا يتغير تبعا للعجلة التي يزيد فيها المدخول بالمقابل ينقص في حالة البطء لماذا ذلك قدر له تبعا لنوع السبب الذي اتخذه ، وبالتالي لم يقل الرزق مع العجلة كما لم يتزايد مع البطء وبالتالي هناك تناسبا واضحا في هذا الأمر ، وهنا تبقى القاعدة صالحة ، غير أن الناس يفهمون الأمر بشكل خاطىء معتقدين أن الاسراع في السبب شأنه شأن البطء فيه لايغير من النتيجة شيئا ، وهذا طبعا يلغي الدور الفاعل الذي تلعبه الأسباب في التأثير على النتائج .
وحتى نبقى في مجال الحظ ننتقل الى ظاهرة القمار التي يتجلى فيها بوضوح لدى الناس مسألة التي يعتقدون بها ، فقد تجد شخصا يربح من الوهلة الأولى وأخر دخل الى الرهان منذ شهور ولم يربح شيئا ، فما السبب في ذلك حيث ترتبط النتائج كما قلنا بالأسباب وقد بذل منها الشخص الثاني أكثر بكثير من الأول ومع ذلك لم يربح ، فمالذي جعل النتائج لاتكون بقدر الأسباب التي بذلت من أجلها هنا ، نعتبر الرهان على ربح المال سببا ظاهريا لا يتساوى فيه المراهنون ، ولكن هناك أسباب نفسية داخلية لدى الشخص الأول تتمثل في رغبته الجامحة في الفوز سواء تمنى ذلك أثناء دخوله في عملية الرهان أو قبلها بمدة كانت فيها نفسه تواقة للربح المادي السريح دون أن يدري بنفسه أنه سيدخل الرهان يوما ما وسيفوز ، وهذه طبعا أسباب نفسية لها دورها في فوزه وتحقيقه للرغبة التي تنتابه ، في المقابل تجد الشخص الذي راهن مرارا وتكرارا كان يشحذ نفسه وهو لا يدري بكونه لا يهمه الرهان فقط ان فاز فذلك هو مايريد وان خسر فالأمر عنده سيان ، وبالتالي هذه أسباب أيضا أعطت نتائجها على أرض الواقع حيث لم يربح ولو مرة واحدة ، ويتساءل م السبب في ذلك والناس بعضهم يربح للوهلة الأولى ، لذلك تجد هنا الأسباب النفسية الداخلية التي يبدلها الشخص وتعمل كمحرك للأسباب الخارجية التي تظهر على أرض الواقع ، لذلك تجد الناس هنا يقتصرون على المجهودات التي يرونها على أرض الواقع للحكم على الشخص بأنه محظوظ أو العكس مع أن كل واحد يبذل الأسباب سواء أدركها بنفسه أو لم يدركها والتي تكون محصلتها النهائية هي النتائج التي ترتبط بها ارتباطا وثيقا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق