التأمل والاسترخاء
كنت أتفحص الكتب ، فوقعت عيني لأول مرة على كتاب يتحدث عن أمور خارقة للعادة كالاستبصار والتخاطر والطرح
الجسدي وغيره من الظواهر الحسية التي لاتستطيع لها أدوات العلم قياسا وطرق الاسترخاء والتأمل والدور الذي يلعبه في تحقيق كل ماتبتغيه النفس ، وقد فرحت كثيرا بعدما أسررت في نفسي أنني عثرت على ضالتي فقرأته بشغف ، لكن تركيزي كان منصبا على محور تحقيق الثروة والمال والسعادة لأنه هو الذي كان يهمني ، وكل ذلك طبعا لا يتطلب تخطيطا ولا خروجا للميدان أو القيام بسبب من الأسباب الفعلية الموجبة لتحقيق هذه الأشياء ، وإنما يعتمد على طريقة سهلة تتمثل في مداومتي على الاسترخاء اليومي وترديد العبارات المرتبطة بالأمور التي أريدها أن تتحقق لي ، وسوف يحصل ذلك يوما ما ، وهنا تساءلت مع نفسي لماذا لا يقوم الناس بعمليات الاسترخاء لتحقيق المبتغيات بدل من الكد والشد مع الواقع ، أم أنهم يجهلون ذلك .
وبالفعل داومت على الأمر مدة شهرين بالتمام والكمال لكن لم يحصل شيئا ، وهنا عاد بي التفكير الى المنطق فقلت يستحيل لشيء أن يتحقق بهذه الطريقة ولو أدمنت الاسترخاء والتفكير فيه عشرات السنين ما لم يكن هناك احتكاك بالواقع وبذل الأسباب الفعلية الموجبة لتحقيقه ،
من جهة أخرى تجد مؤلفي هاته الكتب ينسبون للعقل الباطن القدرة على صنع معجزات خارقة ، ناهيك عن أمور أخرى مثل كيف تحقق السعادة ، راحة البال ، وكيف تكون ناجحا على كل المستويات ، وكيف تحقق الثروة الخيالية بمجرد الاعتماد على التفكير فيها طول الوقت حتى تملأ عقلك ووجدانك ، وسوف تجدها أمامك يوما ما ، ولكن ما حقيقة هذا كله ، وما تأثيره على أرض الواقع .
ان المتأمل فيما يقوله هؤلاء الذين يدعون الى الاستغراق في التفكير حتى تحقق كل أمانيك لهو ضرب من العبث والخيال ، ومحاولة منهم لدفعك نحو الجلوس وتعويض الفعل بالقول ، فلم نسمع يوما ما أن غنيا قد حقق ثروته بمجرد القعود في مكان هادئ
والانغماس في عملية التأمل والتفكير العميق الذي يدخله في عملية ذهنية يرى فيها نفسه يتمرغ في الأموال الطائلة ، وينعم في بحبوحة العيش ويستمر على ذلك مدة طويلة من الزمن حتى يتحقق له ذلك على أرض الواقع .
فلو كان كل شيء يتحقق بهذا الشكل اليسير، لما وجدت فقيرا على وجه البسيطة ، ولما عثرت على أحد يقوم بأي فعل واذا أراد الناس شيئا ما فهم يجلسون للتفكير فيه مدة من الزمن فيتحقق لهم ، دون عناء الأخد بالأسباب التي لابد منها لتحقيق النتائج المرجوة ،
فأعلم أن هناك ثلاثة أسباب تتحقق بها الأشياء وهي مترابطة فيما بينها ، أولها التفكير في القيام بالشيء الذي يعتبر بمثابة العزيمة التي تدفعك نحو المرحلة الموالية وهي الفعل ، ثانيها الدخول في عملية التنفيذ أي أن تقوم بالتحركات اللازمة للفعل مع استعانتك بجميع الأساليب التي تعينك على القيام بما أردت انجازه ، ثالثها قدر الله الذي له دوره في الأشياء التي تتحقق على أرض الواقع ، أي ان كان ذلك العمل الذي عزمت على تنفيذه واتخذت كافة الأسباب الواجبة في تحقيقه مقدرا عليك فسوف يتحقق لك وبالمقابل اذا لم يكن لك منه نصيب فهو لن ينجح لك .
طبعا هذه الطرق الثلاث ضرورية للعمل الذي تود القيام به ، كما أن الدين الاسلامي يقول اذا عزمت فتوكل ، أي اذا فكرت في القيام بالفعل عليك بتنفيده ، ولم يقل اذا عزمت فأجلس ممددا في مكان هادئ واستغرق في التأمل والتفكير العميق وأنت تردد أنا غني عشرات المرات يوميا أو أنا سعيد أو غير ذلك ، فهذا يخالف المنطق طبعا ، ولو كان الأمر كما يقول دعاة الاسترخاء والتفكير في الأشياء يحققها على أرض الواقع ، لما قام أحد بأي شيء ولقعدت الناس للتفكيرفقط حتى تحقق ماتريد وضاعت الواجبات ، وتعطلت المصالح الى غير ذلك .
فالتفكير العميق وغيره قد يغير مشاعرك لأنها أشياء معنوية تؤثر على سلوكاتك فقط
أما تحقيق الأشياء المادية كالحصول على المال أو غيره فلا بد لها من القيام بالأسباب الفعلية على أرض الواقع ، أما أن تلجأ الى القعود وتفكر فيها دون أن تحرك ساكنا فهذا يخالف المنطق والعقل ، ولو كانت الأشياء تتحقق كما يزعم هؤلاء دون اللجوء الى الفعل الذي يعتبر مكملا الى جانب العزيمة ، لما سبق دعاة التنمية البشرية الاسلام في هذا الشأن ، فكيف يعقل أن تحقق الثروة وأنت مستغرق في التفكير فيها دون أن تتحرك من
مكانك ، وأنت ترى على أرض الواقع غنيا بذل من الأسباب في سبيل الوصول الى الغنى الشيء الكثير وكافح بماله وعرقه لسنوات طويلة اقتصها من عمره حيث كان يخطط وينفد ويبحث جاهدا عن كل الأساليب للحصول على الثروة حتى حقق مبتغاه وهو طبعا لم يصل الى ذلك بين عشية وضحاها ، وفي الأخير تأتي أنت وتجلس ممددا على فراشك فتدخل في أحلام اليقظة ترى نفسك بين الأغنياء ، انه الهراء بعينيه ، فهذا هو اللامنطق بعينه ، فعليك أن تعرف أن من عدل الخالق سبحانه وتعالى بين الناس أن جعل الأخذ بالأسباب الفعلية هي المؤدية الى تحقيق النتائج على أرض الواقع ، وكل واحد ملزم باتباع طريقها .
فلماذا يدفع الذين يؤمنون بمعجزات العقل الباطن الناس الى التقاعس عن القيام بالفعل وتعويضه بالتفكير لتحقيق المبتغى ، فلو كانت الأمور يكفيها التفكير فقط حتى تتحقق أمام
أعيننا لوجدت الرسل والأنبياء لم يعملوا أي عمل في حياتهم وانما يجلسون للتأمل في محاولة لتحقيق مايريدونه دون عناء الأخد بالأسباب الفعلية ، ومادام أن الأمر لم يكن كذلك
بالنسبة اليهم مع أنهم لهم الأفضلية على الناس فان الأمر لا يكون لغيرهم من الخلق ،
لذلك فالعاجزين عن تحقيق شيء على أرض الواقع ، والذين لم يستطيعوا نيل مبتغاهم في الحياة هم الذين يجدون متنفسا فيما يقوله أصحاب تحقيق الثروات الطائلة والسعادة والنجاحات الباهرة ، عن طريق التفكير فقط ، و يعتبر ذلك هروبا من مجابهة الواقع ،
والركون الى التأمل حتى تمطر السماء ذهبا ، لأنه كما أسلفت سابقا فالاسترخاء والتفكير قد يغير مشاعرك مثل الخوف أو التردد أو عدم الثقة بالنفس ... لكونها مرتبطة بنفسيتك فقط التي تدفعك لتبني هذا السلوك السلبي قسرا الذي لا تستطيع له حيلة ، لكن ذلك ليس سهلا أيضا فالأمر يتطلب منك تدريبا مستمرا على اكتساب سلوك جديد لم تألفه نفسك من قبل بحكم أنه يصعب التخلص من طبع سلبي رافقك ردحا من الزمن ، لأن النفس اذا ألفت سلوكا معينا فمن الصعب الفكاك منه بين عشية وضحاها ، فاذا كان هذا حال سلوك فقط يرتبط بك وأردت تغييره وهو لم يتطلب منك وضع الخطط أو السهر في تنفيدها أو مزاحمة الناس على أرض الواقع ، فماذا ستقول في محاولة تحقيق الثروة التي ستتطلب منك الشذ والجدب مع الواقع ، والكفاح المرير لعلك تصل الى ماتريده ،
ألا تلاحظ الفرق هنا بين أقاويل دعاة الاسترخاء والتمني بالتفكير الذين يدفعونك لتبنيه ، مع أن الواقع يتطلب التمرغ المستمر لتحقيق الهدف .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق